جلال الدين السيوطي
167
الإتقان في علوم القرآن
وفي تفسير عليّ بن سهل النيسابوريّ : قال جماعة من العلماء : نزل القرآن جملة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى بيت يقال له : بيت العزّة ، فحفظه جبريل ، وغشي على أهل السماوات من هيبة كلام اللّه ، فمرّ بهم جبريل ، وقد أفاقوا ، فقالوا : ما ذا قال ربّكم ؟ قالوا : الحقّ . يعني القرآن . وهو معنى قوله : حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ [ سبأ : 23 ] فأتى به جبريل إلى بيت العزّة ، فأملاه على السّفرة الكتبة . يعني الملائكة . وهو معنى قوله تعالى : بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ( 15 ) كِرامٍ بَرَرَةٍ ( 16 ) [ عبس : 15 . 16 ] . وقال الجوينيّ : كلام اللّه المنزّل قسمان : قسم قال اللّه لجبريل : قل للنبيّ الذي أنت مرسل إليه : إنّ اللّه يقول : افعل كذا وكذا ، وأمر بكذا وكذا ، ففهم جبريل ما قاله ربّه ، ثم نزل على ذلك النبي وقال له ما قاله ربّه ، ولم تكن العبارة تلك العبارة ، كما يقول الملك لمن يثق به : قل لفلان : يقول لك الملك : اجتهد في الخدمة ، واجمع جندك للقتال . فإن قال الرسول : يقول الملك لا تتهاون في خدمتي ولا تترك الجند تتفرّق ، وحثّهم على المقاتلة ، لا ينسب إلى كذب ولا تقصير في أداء الرسالة . وقسم آخر قال اللّه لجبريل : اقرأ على النبيّ هذا الكتاب ، فنزل جبريل بكلمة من اللّه من غير تغيير . كما يكتب الملك كتابا ويسلمه إلى أمين ، ويقول : اقرأه على فلان ، فهو لا يغيّر منه كلمة ولا حرفا . انتهى . قلت : القرآن هو القسم الثاني ، والقسم الأول هو السنّة ، كما ورد أنّ جبريل كان ينزل بالسنّة كما ينزل بالقرآن . ومن هنا جاز رواية السنة بالمعنى « 1 » ؛ لأنّ جبريل أداه بالمعنى ، ولم تجز القراءة بالمعنى ؛ لأنّ جبريل أدّاه باللفظ ، ولم يبح له إيحاءه بالمعنى . والسرّ في ذلك : أنّ المقصود منه التعبّد بلفظه والإعجاز به ، فلا يقدر أحد أن يأتي بلفظ يقوم مقامه . وأنّ تحت كلّ حرف منه معاني لا يحاط بها كثرة ، فلا يقدر أحد أن يأتي بدله بما يشتمل عليه . والتخفيف على الأمّة حيث جعل المنزل إليهم على قسمين : قسم يروونه بلفظه الموحى به ، وقسم يروونه بالمعنى ؛ ولو جعل كلّه مما يروى باللفظ لشقّ ، أو بالمعنى لم يؤمن التبديل والتحريف ، فتأمّل . وقد رأيت عن السلف ما يعضّد كلام الجوينيّ . وأخرج ابن أبي حاتم ، من طريق عقيل ، عن الزّهريّ : أنه سئل عن الوحي فقال : الوحي ما يوحي اللّه إلى نبي من الأنبياء ، فيثبته في قلبه ، فيتكلّم به ويكتبه ، وهو كلام اللّه .
--> - ( 110 ) 1 / 261 . والخطيب في تاريخه 11 / 392 ، وابن حبان ( 37 ) 1 / 223 - 224 . ( 1 ) أجاز العلماء رواية الحديث بالمعنى للعارف بدقائق اللغة وتفاصيلها بشروط دقيقة ، انظرها في رسالتي « رواية الحديث بالمعنى وموقف العلماء منه » .